علي بن محمد البغدادي الماوردي

119

أدب الدنيا والدين

قال : لا تجهر بها رياء ولا تخافت بها حياء . وكان سفيان بن عيينة رحمه اللّه يتأوّل قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ ان العدل استواء السريرة والعلانية في العمل للّه تعالى والإحسان أن تكون سريرته أحسن من علانيته والفحشاء والمنكر أن تكون علانيته أحسن من سريرته وكان غيره يقول العدل شهادة أن لا إله إلّا اللّه والإحسان الصبر على أمره ونهيه وطاعة اللّه في سره وجهره وإيتاء ذي القربى صلة الأرحام وينهى عن الفحشاء والزنا والمنكر القبائح والبغي الكبر والظلم وليس يخرج الرياء بالأعمال من هذا التأويل أيضا لأنه من جملة القبائح وقد روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « أخوف ما أخاف على أمتي الرياء الظاهر والشهوة الخفية » . وروي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « أشدّ الناس عذابا يوم القيامة من يرى أن فيه خيرا ولا خير فيه » . وقال علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه : لا تعمل شيئا من الخير رياء ولا تتركه حياء . وقال بعض العلماء : كل حسنة لم يرد بها وجه اللّه تعالى فعلتها قبح الرياء وثمرتها سوء الجزاء . وقد يفضي الرياء بصاحبه إلى استهزاء الناس به كما حكي أن طاهر ابن « 1 » الحسن قال لأبي عبد اللّه المروزي : منذ كم صرت إلى العراق « 2 » يا أبا عبد اللّه قال : دخلت العراق منذ عشرين سنة وأنا منذ ثلاثين سنة صائم فقال : يا أبا عبد اللّه سألتك عن مسألة فأجبت عن مسألتين . وحكى الأصمعي رحمه اللّه : أن أعرابيا صلى فأطال وإلى جانبه قوم فقالوا : ما أحسن صلاتك ! فقال : وأنا مع ذلك صائم : صلى فأعجبني وصام فرابني « 3 » * نح القلوص « 4 » عن المصلي الصائم فانظر إلى هذا الرياء مع قبحه ما أدله على سخف « 5 » عقل صاحبه .

--> ( 1 ) طاهر بن الحسن : بن مصعب الخزاعي الملقب بذي اليمينين ، كان أمير جيش المأمون بذلك لما قتل في حرب علي بن عيسى أمير جيش الأمين رجلا بالسيف الذي كان في يساره ، وهو الذي قتل الأمين ، وجمع الخلافة في المأمون وتوفي سنة 207 في خراسان واليا عليها . ( 2 ) العراق : العراق عراقان : عراق العرب وهو بغداد ، وعراق العجم أصبهان . ( 3 ) فرابني : أوقعني في الريبة والشك في أنه مخلص . ( 4 ) القلوص : هي الناقة الشابة ، وهي بمنزلة البكر من الإنسان . ( 5 ) سخف : السخف : الفساد .